عماد الدين خليل

304

دراسة في السيرة

وممارساتهم الجاهلية باطنا ، وبهذا ينجون من شبح العقاب ، ويحتفظون في الوقت نفسه بمعطياتهم الجاهلية ، فضلا عن أن تلبّسهم بالإسلام وتسربهم في صفوف الجماعة المسلمة سيتيح لهم فرصة أوسع لتخريب المجتمع الجديد من الداخل ، والتنفيس عن حقدهم وهزيمتهم ، فاستجابوا لنداء زعيمهم وملكهم المنتظر الذي قال لهم في أعقاب سماع نبأ الانتصار الحاسم لجيش الإسلام في بدر : « هذا أمر توجّه فلا مطمع في إزالته » فانضووا إلى الدين الجديد . ومنذ ذلك الحين برزت إلى الوجود قوة جديدة في مواجهة الحركة الإسلامية ، سببت لها الكثير من المتاعب والمحن ، ووضعت في دربها الكثير من الحواجز والعقبات ، ومارست إزاءها من الداخل عمليات تخريبية لا حصر لها . وكان على الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن يصارع هذه القوة فضلا عن صراعه مع القوى الخارجية : الوثنية واليهودية والنصرانية . إلا أن مشكلة هذا الصراع تكمن في أن هذه القوة المعادية غير واضحة الأبعاد ، منسربة في صفوف الجماعة الإسلامية ، قديرة على الاستخفاء في أعقاب أي تخريب تمارسه . . ثم ، وهذا هو الأنكى ، لم يكن بإمكان الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن يعاقب على التهمة ويأخذ بالظنة وينفذ أسلوبا ( روبسبييريا ) في حصد مئات الرؤوس التي يشك أنها تتامر على سلامة الدولة وزعيمها ، وحاشا للأنبياء أن يفعلوا ذلك . لذا نجده يرفض مرارا وتكرارا عروضا من صحابته الكرام بقتل رؤوس المنافقين وقطع رقابهم بمجرد أن يوافق الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، لكنه لم يوافق حتى النهاية على قتل رجل يشهد في ظاهره بشهادة الإسلام . وهنالك حادثة ذات دلالة في هذا المجال : عندما دخل الرسول صلى اللّه عليه وسلم مكة فاتحا أمر قادته ألا يقاتلوا . . لكنه طلب منهم في الوقت نفسه أن يقتلوا عددا من المكيين سماهم لهم ، حتى ولو تعلقوا بأستار الكعبة ، وجيء بأحدهم ، وكان قد أسلم ثم ارتد إلى الوثنية ، وبعد فتح مكة توسّط لدى عثمان بن عفان رضي اللّه عنه في طلب الأمان . فصمت الرسول طويلا ثم قال ( نعم ) ، فلما انصرف عنه عثمان قال لمن حوله من أصحابه : لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه . فقال رجل من الأنصار : فهلا أومأت إليّ يا رسول اللّه ؟ قال : إن النبي لا يقتل بالإشارة « 1 » .

--> ( 1 ) ابن هشام : ص 289 .